0
طاطا نيوز
إعداد: محمد سليماني


بمجرد ما تناهى إلى علم الناس أن نيزكا ينتمي إلى كوكب المريخ سقط على الأرض، وأن ثمنه غاليا جدا، يفوق سعر الذهب بعشرين مرة، انفتحت شهية الكثيرين للبحث عن هذا النيزك وعن مكان سقوطه. أناس كثيرون حجوا إلى المنطقة من مدن الراشيدية، وجدة، زاكورة، كلميم، السمارة، طانطان، ورزازات... بحثا عن حجر صغير سهل الانكسار، لونه يميل إلى الأخضر من جهة وأسود من الجهة الأخرى، يلمع عند التقاءه بنور الشمس. في هذه الرحلة رافقنا  بعض الباحثين عن شظايا المريخ وعدنا بالروبورطاج التالي.  
طريق وعرة
حسب الإحداثيات التي أشارت إليها الدكتورة والخبيرة في علم الفلك حسناء الشناوي  اخترق الغلاف الجوي للأرض، تم رصد مكان سقوط هذا الجسم الغريب بالقرب من الحدود المغربية الجزائرية، وبالضبط بالقرب من جماعة تيسينت التابعة لإقليم طاطا. وبمجرد من علم البعض بسقوط هذا النيزك حتى انتشر خبره بسرعة البرق، كما تسري النار في الهشيم، وشد الكثيرون الرحال إلى منطقة "الكلابة" حيث سقط النيزك بالضبط. "مشاهد" سافرت في رحلة شاقة ومضنية مع بعض الباحثين عن شظايا المريخ إلى هذه المنطقة، رحلتنا انطلقت من جماعة تيسينت على الساعة الرابعة عصرا على متن سيارة "لاندروفير" بعد جمع الأغطية والمؤونة و براميل الماء الصالح للشرب، عبر طريق غير معبدة، ومع بداية إسدال الليل لسدوله صادفنا مجموعة من السيارات المحملة بالناس العائدين من رحلة البحث، وسيارات لبعض الإماراتيين وأخرى للقوات المسلحة الملكية التي تحرس الحدود. فيما التقينا كذلك البعض الذاهبين للبحث عن النيزك، منهم من ظل طريقه مع بداية الظلام وسط الصحراء، فركن سيارته على جانب الطريق للمبيت هناك وانتظار فجر اليوم الموالي لمواصلة المسير.  فالطريق صحراوية وتتقاطع فيها مجموعة من المسالك الأخرى، مما يجعل أمر معرفة المسلك الصحيح أمر صعبا للغاية.  وصلنا إلى منطقة "الكلابة" على الساعة العاشرة ليلا، أضواء الشموع تنبعث من خيام باقي الباحثين عن حجر النيزك، منهم من قضى شهورا في هذا المكان بحثا عن عما تجود به الأرض بعدما جادت به السماء.

مع بزوغ الفجر
مع بزوغ فجر اليوم الموالي، يستيقظ الجميع ممن حط رحاله في "واد الميت"، على أجواء أدخنة نيران الحطب المستعملة في تهيئ الشاي ووجبة الفطور تتصاعد نحو السماء، جز بارد جدا ودرجة الحرارة منخفضة جدا كذلك. بعد تناول الفطور  ينطلق الناس أفواجا وجماعات عبر مجموعة من الفجاج والمسالك والطرقات التي دكتها أرجل الناس خلال مدة البحث، الكل متكأ على عصاه وعيناه مصوبتان نحو الأرض بحثا عن حجرة صغيرة لا تكاد تميز بينها وبين باقي الأحجار المتناثرة هناك، فهنا يصدق الثل القائل " البحث عن الإبرة في قاع المحيط"، لكن مع ذلك الحظ حالف البعض وعثروا على قطع صغيرة من نيزك المريخ.

سوق وسلع وكل ما يحتاجه الناس
بسرعة البرق تحولت صحراء "الكلابة" من منطقة  جرداء قاحلة إلى منطقة معمرة يقطنها المئات من الناس القادمين من مختلف المناطق والمدن، منهم من قضى شهورا هنا، ومنهم من يجلس هناك أسابيع تم يعود إلى أهله، على أساس أن يعيد الكرة مرات أخرى.  تواجد هذا العدد الكبير من الناس، نساءا ورجالا دفع مجموعة من التجار إلى شحن سلعهم وبضائعهم في شاحنات  كبيرة نحو "الكلابة" التي تبعد عن أقرب نقطة سكانية بحوالي 80 كيلومترا. فهذه الشاحنات تعرض كل السلع من الخضر والفواكه والحليب والسكر والشاي والبنزين، وحتى بطائق تعبئة الهاتف، رغم أن تغطية الشبكة تبعد عن  المنطقة بما يزيد عن 18 كيلومترا. فهنا رغم البعد، إلا أن العديد من الناس ممن التقيناهم اعتبروا أن أثمان السلع مناسبة وفي المتناول، ومنهم من اعتبر أن وجود تلك السلع في هذه المنطقة القاحلة شيء ايجابي جدا بغض النظر عن ثمنها.


طرائف وإشاعات
النيزك عندما سقط خلال شهر يوليوز من سنة 2011 ، سقط على شجرة "الطلح" acacia  ، فأحرق جانبا كبيرا من هذه الشجرة الصحراوية التي لا يزال جزءها الأخر شاهدا على قوة هذا الاصطدام. فعندما ارتطم  هذا النيزك بالأرض تناثرت شظاياه في كل مكان. وعندما علم الناس بسقوط نيزك ثمنه غاليا جدا تسابق الناس إلى هذا المكان، منهم من يقوم بغربلة الرمال المحيطة بشجرة الطلح التي سقط عليها النيزك، ظنا منهم أن شظاياه قد تغوص في أعماق الرمال بفعل  قوة الاصطدام، فيما البعض الآخر يبحث عن شظاياه في أمكنة تكاد تبعد عن مركز سقوطه بما يقارب 10 كيلومترات، معتبرين أن النيزك عندما سقط ارتطم بالأرض انشطر وتناثرت شظاياه في أمكنة بعيدة عن مركز سقوطه. البعض ممن حالفه الحظ عثر على جزء صغير من النيزك ( أغلب الأجزاء التي عثر عليها لا يتجاوز وزنها في الغالب 10 غرامات)، فعندما يعثر شخصا على جزء منه يصيح فرحا وسرورا في تلك الصحراء القاحلة، فترى الناس يتسابقون نحوه للبحث في ذلك المكان، فتراهم يقضون يومهم هناك يفتشون ويبحثون ولا يعرفون التعب وكل همهم الحصول على شظية نيزك غال، لكن عندما يعثر آخر على جزء في مكان ما يتسابقون من جديد نحو، وهكذا تصير أيامهم، وكلهم أمل في الحصول على شيء مفقود. بعضهم ممن لم يحالفه الحظ يصف حجر المريخ بأنه حجر ( مسكون) أي مجنون، ودليله في ذلك أن بعضهم قام بمسح شامل لبعض الأمكنة هناك ولم يعثر على شيء، وفي اليوم الموالي يعثر أحدهم على حجر نيزكي في نفس المكان.

سماسرة ومضاربين
كل من حالفه الحظ وعثر على جزء من ذلك الحجر، فانه لا يتعب في بيعه، ففي هذه المنطقة يتواجد مجموعة من السماسرة والمضاربين المغاربة والأجانب الذين يشترون هذه الأحجار النيزكية، فهؤلاء يتوفرون على ألآت خاصة تمكنهم من معرفة هل ذلك الحجر الذي عثر عليه ينتمي إلى كوكب المريخ أم لا؟ تهافت هؤلاء السماسرة وصراعهم فيما بينهم حول الحصول على اكبر قدر ممكن من الأحجار أوصل سعر النيزك هنا في منطقة "الكلابة" إلى 5000 درهم للغرام الواحد. في حين يرى البعض أن هذا السعر ضئيل جدا مقارنة مع سعره الحقيقي.  وتتداول الألسن هنا أن أحد الرحل القاطنين  في هذا المكان عثر على أجزاء كبيرة من هذا النيزك قبل أن يفطن الناس لنوعيته، وهو شخصيا لم يكن يعرف مصدر هذا الحجر، لكن استهواه لونه المغاير لألون الحجارة، فآخذ منه ما تيسر له، وعرضه على أحد التجار بمنطقة فم زكيد، فاشتراه هذا الأخير بمبلغ 30 درهما للغرام فقط، وعندما علم هذا الرجل بالسعر الحقيقي لذلك الحجر، ثارت ثائرته وأصيب بنوبة كادت تقضي عليه.

سقط في المغرب وفاز به الغرب

بعد سقوط هذا النيزك تهافت علماء الفلك من كل الأصقاع لأجل الحصول على شظايا من هذا الحجر، منهم من زار منطقو سقوطه خلسة في وقت لم يعرف أحد غاية هؤلاء، ومنهم من زاره رفقة سكان تلك المناطق الصحراوية من أجل أن يدلوه على الطريق التي توصله إلى مكان سقوطه.  لكن الغريب أن جزءا كبيرا من هذا الحجر النيزكي وصل إلى متاحف وجامعات أوروبية وعالمية، دون أن يصل مثله أو أقل منه إلى الجامعات والمتاحف المغربية.  فمتحف التاريخ الطبيعي بلندن  أعلن أنه يملك  أكبر جزء من الحجر النيزكي الذي سقط من المريخ، وأصله هو المغرب وبالضبط قرب بلدة تيسينت في الصحراء الشرقية بإقليم طاطا.  و يبلغ وزن هذا الجزء الذي حصل عليه المتحف 1.1 كيلوغراما.  وفي هذا الصدد قالت الباحثة كارولين سميث من قسم الأحجار النيزكية في متحف التاريخ الطبيعي "إنها أهم عملية سقوط لأحجار نيزكية في القرن الأخير ونحن محظوظون بالحصول على اكبر جزء منه، ويتمتع بمزايا استثنائية، كما يوفر فرصة فريدة لكشف أسرار الكوكب الأحمر". فالسؤال المطروح، كيف وصل هذا الحجر النيزكي إلى متاحف أجنبية في حين متاحف المغرب لم تحصل على أي شيء منه؟ ومن قام ببيعه أو تهريبه؟ أم أن جامعاتنا وعلمائنا حتى وان حصلوا على هذا النيزك لن يستطيعوا فك رموزه؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




إدارة الموقع لا تتحمل أي مسؤولية سواء قانونية أو أخلاقية أو فنية تجاه ردود الزوار

التعليقات
0 التعليقات

إرسال تعليق

 
Top